عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
35
معارج التفكر ودقائق التدبر
كمن يقول لولده وهو ما زال في المرحلة الابتدائية : لقد أدخلتك يا ولدي في المدرسة لتنال شهادة الدّكتواره ، أي : بعد أن تجتاز المرحلة الابتدائية ، والمرحلة الإعداديّة ، والمرحلة الثانويّة ، والمرحلة الجامعيّة ، ثمّ الماجستير ، فالدّكتوراه . وكمن يقول لراغب في الحجّ ، خذ هذا المقدار من المال لتحجّ به ، أي : لتهيّئ كلّ ما تحتاج إليه ، وتسافر من بلدك مجتازا المسافات ، على وسائل النقل الّتي تتيسّر لك ، حتّى تصل إلى مكّة في موسم الحجّ وتحجّ مع وفود الرّحمن . فالمعنى : لتبلّغ الناس ما أوحى ربّك إليك ، وتبيّن للناس ما أنزل إليهم ، وتدعو إلى اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ، وتضرب بنفسك المثل الأعلى ، وتبشّر المؤمنين ثمّ لتنذر أخيرا الكافرين المكذّبين المصرّين على عنادهم وجحودهم . عبارة ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ تردّدت في تفسيرها أقوال المفسّرين بين إثبات إنذار آبائهم ونفيه ، وعلى النّفي فلفظ قَوْماً حرف نفي ، وعلى الإثبات يمكن أن يكون لفظ قَوْماً اسم موصول بمعنى الّذي ، ويمكن أن يكون حرفا مصدريا يؤوّل مع ما بعده بمصدر . فعلى أنّه اسم موصول يكون تقدير الكلام : لتنذر يا محمّد قوما العذاب الّذي أنذره آباؤهم . وعلى أنّه حرف مصدريّ يكون تقدير الكلام : لتنذرهم إنذار آبائهم الّذي أنذروه على لسان رسولهم وهو إسماعيل بن إبراهيم عليه السّلام بالنسبة إلى العرب في جاهليتهم . ونفي الإنذار وجّهه القائلون به لآبائهم الأقربين ، وذلك لأنّ آباءهم الأبعدين قد أنذروا حتما ، فلا يستقيم النفي العام ، وعن إسماعيل عليه السّلام ورث العرب عبادة الحجّ ومناسكه ، والصّلوات الّتي كانوا يصلّونها ،